الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي

449

تفسير كتاب الله العزيز

قال : فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ : أي بدراهمكم هذه إِلَى الْمَدِينَةِ : وكانت معهم دراهم فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً : قال بعضهم : أحلّ طعاما ، وقد كان من طعام قومهم ما لا يستحلّون أكله قطّ « 1 » . وقال بعضهم : ( أزكى ) أي : أطيب فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ : أي لا يعلمنّ بِكُمْ أَحَداً ( 19 ) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ : أي يطّلعوا عليكم يَرْجُمُوكُمْ : أي يقتلوكم بالحجارة أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ : أي في الكفر وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً ( 20 ) : أي إن فعلتم ذلك . قال : وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ : أي أطلعنا عليهم ، أي : على أصحاب الكهف ، أي : أطلعنا أهل ذلك الزمان الذي أحياهم اللّه فيه ، وليس بحياة النشور . قال : لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ . وكانت تلك الأمّة الذين هربوا منهم قد بادت ، وخلفت من بعدهم أمّة أخرى ، وكانوا على الإسلام . ثمّ إنّهم اختلفوا في البعث ؛ فقال بعضهم : يبعث الناس في أجسادهم ، وهؤلاء المؤمنون ، وكان الملك منهم ، وقال بعضهم : تبعث الأرواح بغير أجساد ، فكفروا . وهذا قول أهل الكتاب اليوم ؛ فاختلفوا . فبعث اللّه أصحاب الكهف آية ليعلمهم أنّ الناس يبعثون في أجسادهم ، وقال في آية أخرى : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ [ النبأ : 38 ] أي : روح كلّ شيء في جسده ، وهو قوله : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 6 ) [ المطفّفين : 6 ] . فلمّا بعث أصحاب الكهف صاحبهم بالدراهم ليشتري بها طعاما ، وهم يرون أنّها تلك الأمّة المشركة الذين فرّوا منهم ، أمروا صاحبهم أن يتلطّف ولا يشعرن بهم أحدا . فلمّا دخل المدينة ، وهي مدينة بالروم يقال لها فسوس « 2 » ، وكان ملكهم يقال له :

--> ( 1 ) وقال الفرّاء : « يقال : أحلّ ذبيحة ، لأنّهم كانوا مجوسا » . ( 2 ) كذا في المخطوطات : « فسوس » ، وفي سع ورقة 16 ظ . وقيل هي : « أبسس » بفتح الهمزة وسكون الموحّدة وضمّ السين بعدها سين أخرى مهملة ، وكان بلدا من ثغور طرسوس بين حلب وبلاد أرمينية وأنطاكية . انظر : ابن عاشور ، التحرير والتنوير ، ج 15 ص 261 . أمّا ياقوت الحمويّ فإنّه لم يجزم في الأمر ، فقد أورد في ج 1 ص 231 من معجم البلدان كلمة « أفسوس » قال : « بضمّ الهمزة وسكون الفاء والسينان مهملتان ، -